الجمعة، 7 أغسطس 2015

إدارة التغيير - نموذج

تحدثنا سابقا عن ادارة التغيير وعن هذا العلم الغائب الجميل في عدد من المقالات والتي نشرناها تباعا في عدد من الصحف السعودية والخليجية والتي تتناولنا فيها التغيير كعلم وكهيكلية واتجهنا به نحو الجانب التطبيقي العملي أكثر من التنظيري أو التاريخي ثم عرجنا خلالها عن قيمة التغيير ورواد التغيير  وعن أمراض التغيير المزمنة وعن أحداث دراسات التغيير من كبرى المجالات العلمية  كهارفرد بزنيزس رفيو وانتربنو وفاست كمبوني  وغيرها  , ومما أثلج صدري هو حجم التفاعل الكبير مع المقالات والنقاش الدائر حولها  والذي يجبرني في كل مقال اكتبه في هذه السلسلة التي امتدت لأكثر من ثلاثة عشرة مقال وتحقيق أن أحاول في كل مرة أن أصل لنقطة تعادل أراعي فيها مستوى القراء باختلاف أطيافهم وتفاوت مستوياتهم أن أقدم مادة سهلة وممتعة تقدم مادة علمية محترمة .


حديثنا اليوم  عن رواد التغيير الذين نجحوا في بناء فلسفة التغيير داخل مؤسساتهم الى أن أصبحت رائدة ومتقدمة جدا وفق أحدث مؤشرات التنافسية الدولية Davos, أجبرني ذلك أن اختار رواد التغيير وفق تجاربهم القيادية على مستوى التجربة العالمية الرائدة والذي يكون بطبيعة الحال في أنهم ءاتو من خلفية ادارية أو هندسية (Managment)  وهم بذلك يتبؤؤا كبرى الشركات العالمية مايعني بطبيعة الحال  أنهم مدراء تنفيذون أكفاء (C.E.Os)   ومادام الحديث عن الادارة التنفذيه فلا يمكن أن نغفل بأنه يأتي على رأسهم  كلا من جاك ويلش jack welch  الرئيس التنفيذي لشركة جنرال الكتريك  والذي فاز مؤخرا بلقب 
"أفضل مدير تنفيذي  على مستوى العالم " و لي لاكوكاLee Iacocca  الرئيس التنفيذي لعدة شركات في حياته المهنية ابتداء من فورد وصولا  لإنقاذه  لشركة كرايسلر العريقة  من الإفلاس  والذي فاز بلقب " مدير القرن" واسمحوا لي في هذا المقالة أن انحاز كثيرا الى جانب لاكوكا فقدرته القيادية وتجاربه تزخر بها أبحاث مدارس التغيير وكليات ادارة الاعمال  المرموقة في العالم وفق ءاخر ابحاث ستنافورد  ويال  كوليج والعديد غيرها. 

ماجعلني انحاز لجانب لاكوكا  هو تنوعه وكثرة تجاربه وشخصيته  التي ترحب بالتحدي وذلك يعتبر جليا في عدد المناصب التي تقلدها على عكس جاك ويلش الذي برز في جنرال الكتريك وتقاعد فيها .

تجارب لاكوكا  التي نقلها في كتابه "?Where have all the leaders gone "  والذي سنحاول أن نعمل مراجعة له على موقع قود ريدرز  good readers ننقل فيها تجاربه  الفذة والتي تعتبر غاية في التميز والتجربة الادارية الرصينة . ومن تلك التجارب  قيادته لشركة كرايسلر عندما أوشكت على إعلان إفلاسها عام 1984م  إلا أنه أصر على أن يقود الشركة من جديد وسط بيئة سيئة جدا  وأزمة مالية خانقة  وخسائر مالية فادحة  فأبدع نموذجه الخماسي  في التغيير تناول من خلاله  القيادة التحويلية Transformational Leadership  حين قام  بعمل اعادة هيكلة قلص فيها عدد العاملين إلى ستين ألفا وكان يبحث عن الجودة في الفكر والروح والإبداع  فهي القيمة المضافة بالنسبة له ومن ثم قام بتعريف عدة  امور استند عليها نموذجه  التغيير فيما بعد وهي : 

1- الرؤية المحددة : ماهو الرقم والهدف النهائي الذي أريد أن أصل إليه والذي بطبيعة الحال يعتمد على أجزاء غاية في التفاصيل . يختلف لاكوكا عن كثير من المدراء التنفذيين  حيث أن معظم المدراء التنفذيون يكتفون بالتحدث عن الرؤيا دون أيما التزام نحوها , أما لاكوكا فيختلف عنهم بذلك وهو تبينه لعلم العلاقات الانسانية وعلم النفس الاجتماعي  وتناول موضوع الرؤيا من جانب إنساني بحت وإيصاله بطريقة عاطفية ومقنعة .

2- إحداث التغييرات المدروسة :  تبنى ثلاث مستويات من التغيير وهي الإداري والتنظيمي والثقافي وكيف تعبر المنظمة عن ذاتها , اختار مدرائه  بعناية شديدة اعتمادا على لياقتهم النفسية وكفائتهم الادارية أكثر من مؤهلاتهم الجامعية . 

3-  الجيل الثاني من القادة مستعد :  تبنى لاكوكا فلسفة تميز بها في ذلك الوقت عندما لم يكن أحد يتكلم عن قدرات الشباب الادارية وعمل خطوة استباقية متقدمة وتنافسية وهي kitchen cabinet وتعني تأهيل عال جدا للقيادات الشابة والتي لاتتجاوز 2% من مجموع العاملين  بإخضاعهم  لدوات مكثفة  وكورسات مضغوطة  يتم فيها تحديد نواتج التعلم المراد تحقيقها بدقة عالية, ومن هنا أستعير مقول جاك ويلش "لاتكمن  عظمة القائد في كونه قائداً  ولكن في عدد القادة الذين تركهم من وراءه ". يتفق جاك ويلش ولاكوكا أن اعظ مهة للمدير هي مهمة تطوير الأتباع وخاصة الجيل الثاني من القادة  وكل ذلك طبعا على حساب وقته وطاقته وصحته  وتضحيته لهم .  

4- زرع ثقافة  الأخلاق العلمية :  كيف تبني ثقافة حب العمل والانجاز  والتسامح والغفران والايثار وتجعلها ثقافة تكرس معنى الأخلاق  واحترام بيئة  وظروف وأحكام المجتمع والبيئة .

5- نقل الواقع الى تجربة إنسانية معاشة :  يخلع القائد عباءة  الاعتبارات المجتمعية وينزل للمصنع كل يوم مع العمال ويشاركهم  ليس ليقال عنه أنه مدير متواضع  ولكن لأن لديهم أشياء لاتصلني وكل واحد منهم لديه كنز يجب أن أتعلمه بتواضع شديد وبحثا عن قيمة إنسانية راقية تقول : أن تشاركني في ماتعلم أن أفهم أكثر فأكثر . 


طلب لاكوكا  التقاعد في عام 1992 واصبح يجوب العالم الى الان ليقدم ويلهم المدراء وعمره الان يربو عن التسعين  وهو بهذا  الحماس والرغبة في نقل ومشاركة الأثر  يؤلف  ويقرأ  ويحاضر  برغبة عالية في جعل هذا العالم مكانا أفضل  للعيش  والتغيير  وحاله يقول : إياك أن يسلبك العمل دورك في التغيير للأفضل . 

كتبه / نايف بن مريشيد 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق